الأربعاء 4 نوفمبر 2026
كتاب أثر 24

انسحاب المينورسو..قراءة في مآلات الفراغ شرق الجدار الأمني

قراءة 4 د

*أيمن الحداد
يطرح انسحاب بعثة الأمم المتحدة (المينورسو) سؤالا استراتيجيا يتجاوز مستقبل الحضور الأممي، ليشمل طبيعة التوازنات العسكرية والسياسية التي تحكم المنطقة الواقعة شرق الجدار الأمني، فمذا سيحصل في حال صدر القرار بسحب قوات المينورسو، وأصبح المغرب مطالبا بإعادة ترتيب حضوره الميداني في هذه المنطقة خاصة أمام سيناريو محاولة جبهة البوليساريو استغلال هذا الانسحاب؟

إن نهاية المينورسو كما أعلن الديوان الملكي، لا يعني بالضرورة نهاية المسار الأممي، لكنه قد يفتح مرحلة جديدة تتطلب إعادة تقييم ترتيبات وقف إطلاق النار وتدبير الوضع الميداني على الأرض وفي هذا السياق، يبرز احتمال عودة القوات المسلحة الملكية إلى المواقع التي كانت تشغلها البعثة بما يضمن استمرار مراقبة المجال الترابي وصيانة الأمن والاستقرار على كامل مساحة الصحراء المغربية.

وتكتسي هذه الفرضية أهمية خاصة بالنظر إلى أن المنطقة الواقعة شرق الجدار الأمني ليست مجالا منفصلا عن السيادة المغربية بل جزء من الصحراء المغربية ومن ثم فإن أي تغيير في طبيعة الحضور الميداني ينبغي أن يقرأ في ضوء تمسك المغرب بوحدته الترابية وحرصه على منع استغلال أي فراغ أمني لفرض واقع جديد خاصة من قبل مليشيات جبهة البوليساريو التي اعتادت الدخول من حين لآخر في توغلات تلفزيونية لإظهار حضورها الوهمي في المنطقة العازلة و قد انتهى اغلبها بضربات مركزة لطائرات بدون طيار متطورة.

ومن الناحية الاستراتيجية فإن عودة التشكيلات البرية للقوات المسلحة الملكية إلى مواقع المينورسو إن تحققت، ستعني انتقالا من وضع يرتكز على المراقبة الأممية إلى وضع يتطلب حضورا عسكريا مستداما، غير أن هذا التحول لن يكون مجرد إعادة انتشار جغرافي بل سيطرح أسئلة حول طبيعة الترتيبات الأمنية و اللوجستيكية وحدود التحركات العسكرية خاصة في ضل تفوق جوي و مدفعي للقوات الملكية و هو مايرفع ضمانات عدم الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة لأن الطرف الآخر يعرف جيدا أن أي مغامرة قد تنتهي بخسارة آخر تشكيلات ميليشياته المتهالكة التسليح.

وفي هذا الإطار ينبغي لجبهة البوليساريو الانفصالية أن تدرك أن أي محاولة لاستغلال انسحاب البعثة الأممية من أجل تغيير الوضع الميداني بالقوة ستكون عملية عسكرية انتحارية، فالقوات المسلحة الملكية، بما تتوفر عليه من قدرات برية وجوية و إسناد بحري عززته منظومة دفاعية صلبة و سنوات من التدريبات و المناورات الكبرى خاصة الأسد الإفريقي مع الولايات المتحدة و الدول الصديقة تمتلك إمكانات دفاعية وعملياتية تجعل أي تصعيد عسكري مغامرة خطرة، كما أن المنطقة الواقعة شرق الجدار الأمني تقع ضمن نطاق القدرات العملياتية للقوات المسلحة الملكية في ضل تفوق تكنولوجي و جوي غير مسبوق للمغرب، وهو ما يعزز معادلة الردع ويحد من فرص المناورة العسكرية.

لكن الردع لا يعني بالضرورة التوجه نحو المواجهة، فالمملكة التي تراهن على المسار السياسي والشرعية الدولية تدرك أن الحفاظ على الاستقرار يقتضي الجمع بين الجاهزية العسكرية و التعبوية من جهة وبين الحكمة الاستراتيجية التي يعرف بها الملك محمد السادس القائد الأعلى و رئيس أركان حرب القوات المسلحة الملكية ولذلك فإن أي تحرك محتمل سيتم في إطار ترتيبات واضحة تمنع نشوء فراغ أمني وتضمن عدم استغلاله لتهديد الأمن الوطني أو تقويض فرص التسوية السياسية.

ومن جهة أخرى، فإن أي انسحاب للمينورسو سيضع الأمم المتحدة أمام مسؤولية سياسية وقانونية تتعلق بضمان عدم تحول المنطقة إلى مجال مفتوح للتصعيد، فوجود البعثة لا يقتصر على المراقبة الميدانية بل يرتبط أيضا بتدبير التوترات والحفاظ على قنوات التواصل بين الأطراف، ولذلك فإن أي تغيير في مهمتها ينبغي أن يصاحبه تصور واضح لمستقبل ترتيبات وقف إطلاق النار الذي أعلن المغرب بشكل واضح التشبث به كخيار مبدئي وربطه بشكل وثيق مع الاحترام التام لسلامة ووحدة أراضيه و أمنه الوطني و طمأنينة مواطنيه.

إن جوهر المسألة لا يتعلق فقط بإمكانية عودة القوات المسلحة الملكية إلى مواقع المينورسو بل بطبيعة التوازن الذي سيحكم المرحلة التالية فالمملكة تملك من المقومات السياسية والعسكرية و الإستراتيجية ما يتيح لها حماية وحدتها الترابية و في نفس الوقت ستقوم وفق الرؤية الملكية التي حققت مكاسب دبلوماسية كبرى في الملف الذي دخل عقده السادس بتدبير هذا التحول بما يمنع التصعيد ويحافظ على الاستقرار الإقليمي.

كما أن المغرب بعث بمجموعة من الرسائل و خص جبهة البوليساريو بإحداها و بشكل واضح: لا ينبغي الرهان على أي فراغ ميداني محتمل ولا يمكن تحويل انسحاب بعثة أممية إلى فرصة لفرض أمر واقع جديد، فأي مغامرة مسلحة أو أعمال إرهابية ستضع المنطقة أمام احتمالات خطيرة، وقد تفضي إلى نتائج تتجاوز الحسابات الضيقة لخصوم المملكة خاصة في ضل وحدة وطنية و جبهة داخلية متماسكة لم يسبق لها مثيل في التاريخ السياسي المغربي.

إن عملية انسحاب المينورسو سيناريو يستحق التحليل، وإذا تحقق فإن المغرب سينجح في تدبيره عبر الجمع بين حماية السيادة الوطنية والجاهزية العسكرية و الأمنية و الدفاع على مكتسبات الاستقرار السياسي، بما يجعل أي محاولة للتصعيد مغامرة ستعود على أصحابها بمزيد من العزلة في ضل توجه سيدفع بالحفاظ على الوضع القائم و الدخول في مسار جديد يفضي إلى طي نهائي للملف عبر مفاوضات سيكون للمغرب فيها وزن ثقيل بعد التخلص من العبئ السياسي و الدبلوماسي و العسكري الذي تحمله المغرب لعقود.

*دكتور في القانون العام و العلوم السياسية

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *